قراءة نصية في (مهد من ورق الشجر) للكاتبة عايدة نصر الله - الشاهين نيوز _

  

الأربعاء 18-اكتوبر-2017

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قراءة نصية في (مهد من ورق الشجر) للكاتبة عايدة نصر الله

الشاهين نيوز

بين النص الإيحائي والافتراضي

الدكتور حسام عزمي العفوري

يلحظ المرء أنّ أكثر الأشياء التي اصطلح الناس عليها في تواصلهم فيما بينهم؛ هي اختيار الألفاظ المناسبة للبيئة والحياة الاجتماعية، وغيرها من اللغة العامة المكنونة في منطقة اللغة في الدماغ، فيعبرون عنها في حالة إنتاج كلامهم أو نصهم.

والناظر إلى القصص، سيجد بأنها مادة الذاكرة الإنسانية، والإنسان إما أن يقصها كما شاهدها أو سمعها، أو بكثيرٍ أو قليلٍ من الزيادة والتهويل وقلب الحقائق، أو الاختزال والاقتضاب والإطناب والإسهاب، كما يرى القاص، وقصده من ذلك إفادة المستمع أو القارئ؛ سواء أكانت تلك الفائدة نقل الخبرة أم النصيحةَ أم العبرة.

وإذا ما نظر المرء إلى الفرق بين الكلام المنطوق الطليق والمكتوب المثبت، سيجد أن المنطوق قد لا يلتزم بحد ما، وقد يضيع جله، أو يتلاشى كله، والمكتوب يلتزم بحدود الأداء المقنن، فيثبت بما جادت به النفس والقريحة.

فالمتكلم يتعرض لحالات نفسية، ومواقف انفعالية مختلفة، تجاه بعض الألفاظ دون سواها، لارتباطها بخزينته الذهنية ببعض الأفكار الخاصة به وبحياته التي عاشها، لذا؛ فإن الكلمة حينما تنطق يكون لها جو عاطفي يحيط بها، وينفذ بها، ويعطيها ألواناً مؤقتة على حسب استعمالها.

لذا سيجد المرء أنّ كثيراً من الحالات تدخل في إنتاج كلامه ونصه، أكان ذلك بوعي منه أم بغير وعي، عبر وظيفة التواصل اللغوي، الذي هو وسيلة لغوية أو حركية أو بصرية، لإقناع واستمالة القارئ أو المستمع مهما كانت شخصيته أو علاقته بالمتكلم أو بالنص، عن طريق بث الرسالة، وهذه الرسالة تمتزج بالمشاعر والأحاسيس بين المتكلم أو النص والقارئ أو المستمع.

إن الشخصية الرئيسة لقصص مهد من ورق الشجر، شخصية قلقة، تحاول إرضاء الآخرين بأية طريقة على حساب حياتها الخاصة، فهي تسوغ لنا أعمالها بأنها إنسانية، لتسعد الآخر بذلها، وهي فتاة ضعيفة بحق نفسها أمام الرجل؛ ولكنها أمام نفسها قوية، وتقدم صورة ضعفها المتعارف عليه عند الرجال طواعية، وهي راغبة بإظهاره جلياً.

ففي قصة العربيد تبث الأمان في نفس غيرها، كما في المشهد الآتي:

أرادها فرسًا مروّضة، فهي كانت جامحة، وخالقة الحكايات، وبِوعيٍ تنازلت له عن الجموح لتبثّ الأمان لنفسه. (مهد من ورق الشجر، ص 13)

وحين قراءتنا لقصة شهقة الموت السريريّ، سنشاهد جانباً من شخصيتها الكامنة في ذاتها، كما في المشهد الآتي:

- إذن، لماذا فعلت ذلك؟ قال قلبي: ربّما هو تشويش.

ألِأجل ذلك التشويش استمرأت العذاب، أم للدفاع عن لحظة الكشف؟ ربّما بسبب وجعه.

- أنا مسكون بالحزن. قال. قلت: سأرتقه.

- وهل رتقته؟ قال الصوت.

- لا، لم أرتق حزنه، بل فتحت جرحي.

أصابني برد على فجأة ومياهي سكنت، وهو ارتعش بعينين بلّلتهما الهزيمة. جرحي تغمّس بالدم تمامًا. وددت غفوة رحمة. (مهد من ورق الشجر، ص 35)

وفي قصة هاجسة رسائل طفولية ساكنة في قلب شخصية القصص، كما في المشهد الآتي:

... ولأجلك سألبس تنّورة صغيرة وأربط ضفيرتين وأزيّنهما بشريطين ملوّنين، وأقفز على ظهرك وأقول لك:

- يلله قول ماء ماء يا غنماتي. الفلّاحون يقولون يابا وليسبابا.

- نعم يابا، يا بوووووووي! (مهد من ورق الشجر، ص 24)

****************

مشهد آخر:

ذهبتُ لخزانتي عملت ضفائري، وزيّنتها بشريطين ملوّنين، ورسمت فمي صغيرًا، ووضعت دائرة حمراء على أنفي ودائرتين على خديّ، ولبست طاقيّة مضحكة، وهجست: الآن، سأقفز على ظهره ليلفّ بي الغرفة وأنا أصيح: يااااااااااااابا!

صحوت على طرق الباب،

كان ابني الذي رأى أمامه طفلة في الخمسين. (مهد من ورق الشجر، ص 25)

وهي في هذا تحمل لنا الألم والأمل منذ طفولتها، تحاول أن تنقل حكاياها عبر الصورة والصوت، من صورة إلى أخرى، ومن مشهد إلى آخر، من خلال دمج الصورة وتداخلها، واستعمال أنواع التلاشي المختلفة الخاصة، وليس من الضروري أن تكون انتقالات الصورة عند شخصية القصص مستندة إلى علاقة ظاهرية (مرئية)، بل ويمكن أن تكون أيضاً مرتبطة بعلاقة فكرية أو علاقة تنسجم مع المشاعر والأحاسيس، إضافة إلى أنها لا تحتاج إلى طبيعة بصرية بحتة، فبإمكانها أن تكون ذات طبيعة سمعية، أو أن تتمتع بعلاقة متبادلة مع الصورة والحوار، أو مع الصورة والضجيج، وهذا ما نجده في فن كتابة السيناريو.

وهذا ما نشاهده في قصة خصلة شَعر، من تصوير وحوار، وعلاقات كامنة في الزمان والمكان تتبادل فيما بينها، بين إيحاء وافتراض، وشعور مختلط بسعادة وخوف:

قال: سأبني لك مهدًا من ورق الشجر، وأطعمك كالطير. شعرتُ بذلك الوهج الذي يسقف ظهر السماء، ويطيح بجيوش المتخيّلات لتسكن حضني، يسافر بي إلى مهد ينتظرني هناك في بلاد بعيدة،

هناك... مهد معلّق على شجرة، حيث جديلة الماء تنتظرني بزبد البحر الكامن في ضوء عينيه.

- سأبني لك مهدًا من ورق الشجر وأطعمك كالطير.

ضحكتُ لعظم الكذبة، مع ذلك أغمضت عينيّ واحتضنت الكذبة، أردت تصديقها، احتجت فعلًا أن أراني محلّقة بين السماء والأرض، لأتضمّخ بنزق الغابة وعبثيّتها. (مهد من ورق الشجر، ص 28)

وقد يتبادر في الذهن تلك اللحظة، أن جملة: (وأطعمك كالطير)، في صورة أخرى مكنونة في صدر الشخصية، أن هذه الجملة في الواقع، هي: (وأطعمك للطير)، لما تعانيه الشخصية من ألم الماضي والحاضر والمستقبل.

وفي قصة الجارزة السوداء نشاهد حركة الصور وتوقفها في ذهن الشخصية، كالمشهد الآتي:

كلّ الصور غابت متلاحقة كشريط سريع. وقف الشريط.

عينا الجارزة عبّأتني. (مهد من ورق الشجر، ص 10)

في قصة مجدّرة تكشف لنا الشخصية لبطلة عن حياتها الخاصة النفسية والجسدية، وعن العمر المفترض لها ولـ(فتاها)، وكذلك عمر الجنين لو عاش، ولم يُجهض.

مشهد مشفر:

لأوّل مرّة تنتابني جرأة السؤال: أتعرف؟

بباليأنأراكوأنتتمارسطقساللهاثوحدك.

ضحك.

وهل سبق لي أن تساءلت هذه الأسئلة بصوت عال إلّا معه؟

- وكيفلكِأنترينيفيالتوحّد،وعيناكتراقبانني، سيفقدالمشهدمعناه.

- سأتلصّصعليكمنخرمالباب.

ضحكنا. - وأنا كيف أراك وأنتِ متوحّدة؟ سألني.

- هذاصعب.

- لماذا؟

لم أعد أشعر بجسدي منذ أن هتك أحدهم روحي.(مهد من ورق الشجر، ص 65)

مشهد آخر مشفر:

نتكلّم عن الجسد وكأنّنا نتكلّم عن طريقة تحضير العدس.

كلانا نحاول أن نخفي الماء الذي يبدأ بعزف لحنه كموسيقى ناعمة، ثمّ تشتدّ ضربات الطبول فيموج البحر هائجًا. (مهد من ورق الشجر، ص 66)

مشهد آخر مشفر:

- ألسنانمارسلذّةالكتابة؟

- كيف؟

- ألسنانأملأننصلالنشوةفيالكتابة؟

وأنت شاعري الطفل، ألم تكتب "الفونوغرافيا"؟

كنت أهيج لكلماتك. ماذا يمثّل لي هذا الشاعر الطفل؟

ألا يجوز أنّي أريده أن يعوّضني عن كلّ تلك السنين التي خلت بي؟ أأريد استعادة الغجريّ الغائب بهذا الشاعر؟

أم أن يجتمع لي الغائب ابن الـــ 25 سنة مع هذا الآن دفعة واحدة؟ هو غائب. لا يشعر باحتراقي.أحبّه؟ بل أعبده.

ولكن للعبادة طقوس أيضًا. هل سأمارس طقوسي معه من خلال هذا الطفل؟(مهد من ورق الشجر، ص 67)

مشهد آخر يظهر لنا عملية الإجهاض (إسقاط الجنين):

- أليستالمخيّلةنوعًامنأنواعالجنسالمكتوب؟

- نعم!

- كونيواقعيّة! قال لي الغائب.

- وهلكنتَواقعيّايومنفثتحليبكبيوغبت؟

- كونيواقعيّة!

طبعًا، أنا واقعيّة ورأيت اللحم الصغير يتفتّت أمامي والطبيب يسحبه، وكنت واقعيّة وأنا أقول لك: نعم، سأحميك برموشي، لا تخف على سمعتك!

- كانولدًا.قالالطبيب.

- كنتسأسمّيهعلىاسموالدهالذيغابولميعد.

- كمعمرهالآن؟

- 26 عامًا.

- لا،كانسيكون 25 عامًا.

- نعم.

عينا الطفل تطلّان عليّ من خلال الجهاز، كأنّي أراه.

لكنّ النبض يومها أوقف بمقصّ الطبيب، والآن بالغياب.

أرى في المنام دائمًا أنّ طفلًا ضائعًا لي. (مهد من ورق الشجر، ص 68-69)

نلحظ أن عمر الجنين لو عاش؛ لكان 25 عاماً، والغجري كان عمره 25 عاماً، أي في زمن كتابة القصة صار عمره 50 عاماً، وكذلك شخصية القصص.

هناك ثلاثة أزمان للقصص:

زمن الحدث: تقريباً من 1980-1982 كان عمر الشخصية البطلة 25-27

زمن الكتابة: تقريباً من 2005-2007 عمر الكتابة 10-12،

كان عمر الشخصية البطلة 50-52

زمن النشر: 2017 عمر الشخصية البطلة الآن 60 أو 62،

مضى على زمن الحدث من 35-37 سنة

مشهد آخر مشفر:

وأصرّ على أن يأتيني بالجواب.

يقشط غطاء أرضه الخارجيّة، يظهر التراب الطازج،

رائحة قهوة تفوح، أصابعه طويلة ناعمة، عيناه مغمضتان،

خصلات شعره تشبه راقصة تغنج بدلال على جبينه وهو يدخل عالَم التوحّد.

يد تمسّد على حبّة كرز بنّيّة بحركات دائريّة، والأخرى تحاول تقشير نبتة فطر أسمر، ثمرة فطره منحوتة بيد فنّان.

تعلو الثمرة عن ساقها وتشكّل حافّة لا يمكن معها إلّا أن تستند إليها دون الانتزاع منها. ثمرة فطره مصقولة بشكل لا يمكن معه إلّا أن يسيل لعابك اشتهاءً لطبخة الفطر. ورغم أنّي كثيرًا ما كرهت كلمة الفطر "ماشروم" شبعت منه مكدّسًا في "البيتسا" الأمريكيّة، حيث لا توجد أكلة إلّا ويدسّون فيها الفطر حشرًا.لكنّ فطره يختلف. أملس كالبرْق..يده تمسّد على الفطر.

- شاركيني القطاف.

- لا، أرجوك! أتوق لمشاهدة اللوحة فقط.

تشمخ النبتة شموخًا يشبه شموخ السياسيّين الذين يعلون على غفلة من أمرك.

- شاركيني العلوّ. أرجوك!

- دعني أمتّع ناظري بفطركَ، أرني وجهك.

أبلع ريقي. عيناه مغمضتان. بدأ لهاثه يحتلّ الصحاري والبحار. تهتّز ثمرة الفطر، وكسقوط السياسيّ الذي ارتفع على غفلة من أمره، تنفث الفطرة حليبها، يهتزّ الجذع؛ فأرتوي من المشاهدة.

تسيل جرار الزيت في سرّي لتملأ "خوابي" الفلّاحين.

يصحو مرتجفًا."يبتسم ذو الشامة".هجستُ

- أنا أيضًا لي شامة. (مهد من ورق الشجر، ص 70-71)

مشهد آخر مشفر:

رسمت اللوحة بالقهوة والحنّاء كترابه.

عيون عسليّة، فم مفتوح على مصراعيه، اللغة انفتحت بكلّ ما فيها من غلظة العيش وشغف النسيج، ماء النهر شربناه حتّى الارتواء، حارس المدينة ابتسم، اللغة سكبت ما فيها من لزوجة، تلقّف فمه كلّ ما جال في خاطره، عضّة الفم تختلف بين الفخذين،اندلق زيته ليطمر كلّ حفرة في جسد الأرض،

وتوسّد لهاثه كرزي، صوت التمسيد ما زال يصلني ذهابًا وإيابًا، ارتعشت مرّتين، وهو ما زال يحاكي فطره. (مهد من ورق الشجر، ص 72)

وفي قصة الجيب كان الغموض يسكنها، تسمع صوتاً، يقول:

ذلك الجيب الذي بقي يتيمًا، تعلّقتُ به وأحببته، كان جيب المريلة التي لبستْها أثناء إعداد الطعام وتنظيف الأواني ونشر الغسيل. (مهد من ورق الشجر، ص 5)

ثم نشاهد لقطة قريبة، ونسمع صوتاً آخر، يقول:

تلك المريلة كانت تحضرني مع فنجان القهوة الصباحيّة، وكثيرًا ما أحسست بالغيرة منها، حين كنت أتوق للفّ جسدها الثائر كما يلفّه زنّار المريلة. وبقدر حبّي لها كانت تلك المريلة تثير غضبي فأصرخ بها:

-ألا ترمين هذه المريلة، أحسّك تسكنينها أكثر من سكناك لي.

ثم نشاهد متتابعاً عبر لقطة كبيرة:

تبتسم، وتكفي حركة خفيفة من يديها حتّى تطير المريلة إلى علّاقة الملابس، فتبدو عائشة بثوبها النظيف وكأنّها لم تدخل المطبخ أبدًا، لترنو إليَّ بوجهها المتوهّج حبًّا. (مهد من ورق الشجر، ص 6)

- ثم نسمع في ذات المشهد صوت امرأة أخرى، تقول:

أوّل مرّة أرى رجلًا يغار من "شقفة" قماش. كانت تمازحني..

"شقفة" القماش تلك، كانت مخزنًا عامرًا ودائم العطاء، فإذا شئتُ شراء علبة من السجائر، امتدّت يدها إلى جيب المريلة قائلة: لا تفرط ما لديك، لديّ "فكّة". (مهد من ورق الشجر، ص 6)

إن هذه الانتقالات ترمي إلى هدف واحد: تجاوز الزمان والمكان، وبذلك يحصل تكثيف الحدث، كما في الجارزة السوداء:

ثلج يتسرّب من قدمي، أقف على حافّة النهاية، أفتح المساحات السوداء... جمرات تتساقط على يدي، هنا عنقه، رائحته مجبولة بهمّ التراب ووجع المسافات... هما هناك "راحيل (عايدة) ومحمّد" ما زالا معلَّقيْن على حافّة الروح يحاولان لمّ رذاذ روحينا. (مهد من ورق الشجر، ص 8)

ويعمل تتابع الصور أو المشاهد للانتقال من زمن إلى آخر، في نفس المكان أو الحدث، كما في قصة خصلة شَعر:

كنت قد علوت بجناحي حتّى ثقب السماء، وكان جلدي قد أوشك على الإمطار عندما قال لي:

- هي قادمة.

لم أقل شيئًا. سقطت من السماء، وجناحيْ استحالا فجأة عكّازين اتّكأت عليهما. كان قلبي قد سافر هناك... للرمال... للشَعر الغجريّ... لجلده البرونزيّ ولأقدام دقّت الأرض في رقصة خيول جامحة. الطبول البربريّة قد رنّت في المخيّلة حتّى كادت أن تأكل إبهامي من شدّة الولع.

- هي قادمة. (مهد من ورق الشجر، ص 26)

إن تتابع المشاهد تعمد إلى ربط أفكار حدثين أو أكثر في آنٍ واحد، عبر الانتقال بين نوافذ الحاسوب، بحديثه مع عدد من الفتيات، كما في البطل الافتراضي:

وهذه التي تسكنني أخيرًا ستصدّقني. إذ كيف لمن هو مثلي أن يبوح وجعه لغيرها؟ هاها ها هاههههههههه.

مشهد آخر:

يفتح شبّاكًا آخر. " أين أنتَ يا طفلي المشاكس؟"

- آه! أنتِ يا أميرتي.

- نعم، أيّها الطفل المشاغب.

- آه! أنتِ يا فلذة الكبد، أين أنت؟

- معكَ، هل أنت مشغول مع أحد؟

- كيف أنشغل إلّا بكِ، يا لهاث الصحاري وفتنة الروح!

- منذ ساعتين وأنا أنتظرك!

- وأنا انتظرتك عمري!

- ما أكذبك!

- ههههههههه، أجمل كذّاب. لحظة، حبيبتي!

- حسنًا.

مشهد آخر:

يعود للشبّاك الأوّل.يقول في نفسه ها هي تقع.

- أينك حبيبي؟ غبت كثيرًا.

- هل عليّ أن أقول لك كنت في الحمّام.

- آه! طبعا، لا.

- كيف عيناكَ اليوم؟

- مشتاقات لك.

كان صوتك جميلًا، وددت لو أطير إليك، نطير بعيدًا عن أعين المتلصّصين.

- تمهّلي يا حبيبتي!

- كيف التمهّل وأنت تحتّل مطبخي؟

- مطبخك؟!

- يعني تحتلّ كلّ مساحات حياتي.

- فهمت.

- لكن تمهّلي... لحظة من فضلك.

مشهد آخر:

يعود للشبّاك الآخر. "أين كنت حبيبي؟"

- وأين أكون إلّا معك.

هل كان عليّ أن أقول لك كنت في الحمّام.

- طبعًا لا.

وتتوالى المشاهد على شاشة الحاسوب:

يفتح شبّاكًا ثالثًا.. شبّاكًا رابعًا..شبّاكًا.. شبّاكًا.. شبّاكًا. يا الهي! قد أعدّ نصوصًا موحّدة أقولها للجميع. (مهد من ورق الشجر، ص 47-49)

إن ما ينطوي عليه هذا الجواب ليس روح الدعابة، بل يحمل في جنباته نوعاً من التلاشي الماثل في تداخل الصور بواسطة الكلمات، حيث التلاعب بالعواطف والشعور، وليس هذا فقط؛ وإنما بكل مشاعر الإنسانية.

إن أغلب تداخل الصور يحدث في الصوت والصورة أو في الصورة والصوت، كما في قصة أجمل ميتة في العالم:

الطريق مغلقة لأمّ الفحم، تسعة مداخل مغلقة.

أسمع المذيع بينما أنا ساهمة في هذري الجنونيّ. البنات طالباتي، جيل المستقبل للسلك التعليميّ يسمعن هيفاء وهبي، وأنا لا أختلف عنهنّ، أنسج هيفاء وهبي بطريقتي.

الشرطة تحاصر البلد. يظنّون أنّ هناك استشهاديًّا يخطّط لعمليّة تسلّلٍ من الأراضي المحتلّة إلى البلد. تبدأ الهواتف الخلويّة بالعمل.

- لا تأتِ الآن، لأنّ مدخل البلد مغلق. صوت أوَّل.

- "يمّه"لاتحضّريالأكلالآن،قدنتأخّر. صوت ثانٍ.

- ماذايحصلعندكم؟لماذا البلدمحاصرة؟ وصوت ثالث.

المسافة التي عليها أن تنقضي من كفار سابا حتّى أمّ الفحم بساعة تصبح ثلاث ساعات ونصفها.

المطر يطرق على شبابيك الحافلة.

البنات ما زلن يسمعن هيفاء وهبي.

"من شان الله! علِّي الصوت. حطّ نانسي".

يبدّل سائق الحافلة هيفاء بنانسي.

يعلو الصوت. *** (مهد من ورق الشجر، ص 81)

هناك علاقة مباشرة بين المشاهد رغم أن الثواني والدقائق، حتى الساعات يمكن أن تقع بوسطها، دون أن يختلط صوت بصوت، أو مشهد بآخر.

الانتقال من اللقطة الكاملة إلى اللقطة القريبة إلى اللقطة الكبيرة، فالكاملة أو الشاملة تقدم لنا مشهداً متواصلاً فيه فكرة عامة (للمشاهد أو للقارئ) عن موقع الحدث، الحيز المكاني وأجوائه، وأثره في نفسية (المشاهد أو للقارئ).

والقريبة هي لقطة جزئية لمشهد مختار، ويسهل عملية ابعاد أجزاء المشاهد الأخرى غير الهامة من الوجهة الدرامية، وليس فيها قطع انتقالي من اللقطة الكاملة إلى الكبيرة إلا عبر القريبة.

فلا بد للقطة القريبة أن تهيأ للقطة الكبيرة التي تخبرنا بدورها عن شيء له خصوصية، وأن تؤدي مفعولها في الوصول إلى اللقطة الكبيرة ورفع درجات التوتر والإثارة في المشهد، كما في قصة المصباح:

تغمض عينيها لبرهة ثمّ تفتحهما وتنظر للمصباح.

بعد أيّام، وعلى منصّة المسرح، رأيت هذا المصباح. كان عبارة عن شمعدان كبير، له عنق طويل وقاعدة من الخزف الأصليّ ولون بلّوريّ، جذبني لحجمه ولجماله، فلم أزِل نظراتي عنه في كلّ مرّة ذهبت فيها للمسرح.

حين التقيت صاحب الصوت الأجشّ لأوّل مرّة، نظر إليّ قائلًا:"أنت يا آنسة، تتمتّعين بكلّ شيء ما عدا.."

قهقه بصوت عال: نحتاج لنساء وليس لـ...

لم أفهم. وضع يده على ذقنه كإشارة، فانتبهتُ لشعيرات تمرّدت على وجهي لتطول بشكل لافت للنظر، لكنّني لم أعطها بالًا أبدًا، ورغم إلحاح أمّي بإزالتها، رفضت. (مهد من ورق الشجر، ص 109)

كما يمكن توضيح الإيماءات الصغيرة والتلميحات الدقيقة، وتداخل (الأمور)، بشكل أفضل في اللقطة القريبة كما سبق.

أما الغرض الأساسي من اللقطة الكبيرة هو اظهار الوجه البشري، بما يعبر من أحداث روحية وإثارة للعواطف، بحيث يتضح ذلك للقارئ أو المشاهد، من خلال الملامح المرسومة على ذلك الوجه، ويمكن أن تسهم اللقطة الكبيرة، في توليد الإثارة والتشويق.

إن اللقطة الكبيرة هي دائماً ذروة حدث ما، ولا يجوز مطلقاً استخدامها بشكل عشوائي أو بوصفها هدفاً بحد ذاتها، وهي تخبرنا عن شيء ذي أهمية خاصة.

وتستخدم في الغالب عندما ينفصل الحدث بصورة مؤقتة عن الأحداث الخارجية، ويجري في جوانح أحد الشخوص ويواصل تطوره.

وفي هذا فعل درامي تفصيلي كما يقول بيل بالاز، حيث لا يشير فقط، إلى تعبيرات الوجه البشري؛ وإنما هناك تعبيرات أخرى، تلمح إلى صور نفسية، مثل حركة يد المخرج في قصة المصباح، التي سببت الحرج للآنسة (شخصية القصص)، حيث: (وضع يده على ذقنه كإشارة، فانتبهتُ لشعيرات تمرّدت على وجهي.)

أما اللقطة البعيدة، هي التي تنقل لنا النظرة الشمولية لمشهد ريفي أو مشهد مدينة.

فالكاتبة تحاول نقل لنا المشاهد كأنها تتخيل وجودها أمامها، كما لو أنها حاصلة على شاشة سينمائية، مرئية أمام القارئ، ففي قصصها مشاهد لا تحدث لها قطع، أي تستمر في (مشهد متواصل)، يبدأ من أصغر وحدة موجودة في النص إلى أكبر وحدة، بحركة درامية وديناميكية مباشرة، وفي هذا نلحظ بهذا المشهد أو ذاك نغمة إيقاعية لنص مرئي ومسموع.

إن الحالة الدرامية التي ترتفع إلى ذروتها بفضل الديناميكية المتواصلة، تستطيع دعم هذه الديناميكية الداخلية، بصرياً من خلال التبدل السريع للمشهد الخارجي.

حاولت الشخصية أن تصور لنا في بعض الأحيان مشاهد خاصة، وتبثها في لقطات إنسانية، أو أن تشفر لنا بعضاً منها باستخدام تقنية السيناريو والحوار بمشهد يتم عبر لقطة كاملة أو قريبة أو كبيرة، وهذا نراه في (مهد من ورق الشجر)، حيث نجد كلمة (مشهد) محذوفة من كل بداية لفقرة من فقرات القصص، لذا حاولت الشخصية أن تصور لنا في بعض الأحيان لقطات إنسانية أو غرامية أو فكاهية أو غيرها، بنوعيها المشفر وغير المشفر:

قصة شهقة الموت السريريّ

في هذا المشهد تكشف لنا شخصية القصص، عن علاقاتها المتعددة مع الرجال التي قابلتهم في حياتها؛ إلا أن الرجل الغجري الذي غادرها منذ خمس وعشرين سنة مضت من وقت كتابة النص، لم يغادر ذاتها؛ وإنما هو الوحيد الذي يسكنها:

داخل الكأس، سكنت عيون كبيرة، صغيرة، لحميّة، زرقاء، خضراء، عقيد وعميد، شاعر وزنديق، اختلطت الصور في مخيّلتي. ولم أكن أرى سواه، ذلك الرجل الذي حمل على رأسه غابة، وعلى جسده امتدّ بحر المدينة العتيقة، وفي عينيه سكن صقر. رجل وفّرته في زوادّة أحلامي، انتظرته قبل ولادتي. (مهد من ورق الشجر، ص 32)

مشهد آخر:

- أحتاج قهوة. قلت له.

نزلنا الدرج. هناك، رأيت امرأة ممدّدة على رخام مطبخ غريب. عرفتها. فستاني كان يشبه فستانها، نزيفها، لهاثها، كلّ شيء فيها كان يشبهني. لكنّها لم تكن أنا.

مشهد آخر مشفر:

امرأة أخرى تدلّى فوقها فم مفتوح. الفم المفتوح، كان كبيرا جدًّا كمغارة، وبدا وكأنّه بلع الغرفة. فم فاغر... كان أشبه بفوّهة بركان يلهث زاعقًا حروفًا وكلمات متلاحقة، بعضها سمعته بوضوح وبعضها الآخر ابتلعه التيه. كلمات لم أكن قد سمعتها من قبل. ولولا تلك الكلمات لكدت أن أصدّق أنّني هي.

مشهد آخر عير مشفر:

أحسّت المرأة أنّ جارزتها ترتفع، وبلا شعور مدّت يديها لتغطّي عرْيها، عندما سمعت خطوات عابرة تمرّ من أمامها. بعد ذلك، مشت تلك المرأة مع الفم الفاغر إلى غرفة أخرى.

المرأة تحت الفم الفاغر. وهو الفم ما زال مستمرًّا في فحّ كلماته المتلاحقة كالطعنات، تنغرس في روحي.

- عاهرة، فاجرة، خائنة.

تلك الكلمات فقط هي من كانت تلطم أذني من شدّتها. تخيّلتها صورة سرياليّة لامرأة وفم مفتوح.

المرأة بدت كجثّة، جلدها يسمع، وعاجزة عن إتيان الأجوبة.(مهد من ورق الشجر، ص32-33)

مشهد غير مشفر:

القرط يضايقني، نزعته، ثمّ نزعت الجارزة، فحمّالات الصدريّة.. حتّى غادرتني روحي.

هجمت عليه دون حبّ ودون كره. بحياديّة تامّة. رأيت دموعه. لم أحتمل.(مهد من ورق الشجر، ص 34)

مشهد مشفر:

كادت الدموع تفرّ من عينيه. فجأة، انسرب داخلي شعور الأمّ التي ودّت أن تمنح طفلها التهليلة الأخيرة.

سقطت عليّ دموع ساخنة، واتّكأ عليّ لهاثه الموجوع. وغمرني حليب الأرض حتّى الغرق. فمي كان مذعورًا، وثديي حائر، راقه الدخول في الموت الناعم. أذني المصدومة كفّت عن الخجل، وترنّح الفراش أمامي مبلّلًا بسكّين الماء. (مهد من ورق الشجر، ص 34)

مشهد آخر مشفر:

هو ذاته الرجل ذو الفم الفاغر. اختلطت الصورة. بعد ذلك الطقس الغرائبيّ. أحسست نبض قلبه يسكنني.

لا، لم أحبّه هو. كان رجل آخر قد وجد مسربًا داخل روحي. الرجل الذي صرخت من تحته كان مستورًا وراء شبكة العين، برونزيّ الجسد، مبعثر الشعر، صقريّ العينين. هو من أبحث عنه كلّ وقتي وزماني، هو من يسكن نصوصي، هناك في صحراء بعيدة أو على حافّة بحر هائج، أو على فوّهة بركان، المهمّ، أنّ هذا الرجل الذي فحّ فوقي لم يكن رَجلي.

ولهاثي الذي امتدّ إلى السماء كنجدة غريبة لم يكن له.

- أحبّك. قال الرجل الآخر.

وأنا أسمع صداها من بعيد. كان حلمًا كوّنته في مخيّلتي

لا. لا. يشبه ذلك الفم الفاغر. (مهد من ورق الشجر، ص 34)

قصة الجيب:

مشهد غير مشفر:

تلك المريلة كانت تحضرني مع فنجان القهوة الصباحيّة، وكثيرًا ما أحسست بالغيرة منها، حين كنت أتوق للفّ جسدها الثائر كما يلفّه زنّار المريلة. (مهد من ورق الشجر، ص 6)

قصة الجارزة السوداء:

مشهد:

يوغل بي هذيان في آخر مسرب للنور. أشعر بالرائحة توشك أن تتركني، أتشبّث بالجارزة أكثر.

- لم نغتسل، لا ماء هنا.. حمدًا لله أنّنا لم نغتسل.

تومض عيناه ويضمّني بقوّة.

هو الآن يسبح في منعطفات الريح بحثًا عن الأجوبة. وأنا أغرق هنا في وطن صغير، لا يتعدى كُمّيْ هذه الجارزة التي تضمّخت بعصارة ارتجاف حروفه على يدي. (مهد من ورق الشجر، ص 9)

مشهد آخر:

تحسّست بحنوّ الأكمام، مكان العنق، والصدر. أدخلت رأسي في العنق، في الصدر، في اليدين، لبست الرائحة، فارتجفتِ المدينة في غرفتي. (مهد من ورق الشجر، ص 9)

قصة الحجر:

مشهد:

والحجر ينظر إليّ مستكينًا في حجري.

- كنت أضعه على رحمي.

- إنّه حجر وسخ. قال لي.

شيء ما تفتّت في الحنجرة، فأُخرستُ عن الكلام. (مهد من ورق الشجر، ص 18)

مشهد آخر:

آخ لذلك الحجر! هو ملك الحبّ كلّه، هو من يراه، هو من ينام في فراشه، هو من يراقب عينيه، وهو من يسمع جنون خبط الحروف على ورقه، وهو من يرى وميض العشق في عينيه، وهو الشاهد على خياناته أيضًا. (مهد من ورق الشجر، ص 20)

قصة ذلك الشيء:

مشهد:

- كيف حالكِ؟

- الحمد لله، كلّ شيء سائر على ما يرام. أنا أستر نفسي بين الحروف.

- وأنتَ؟

- أنا ما زلت أتقلّب على الجانبين، لا أقوى على الاستقامة.

- وكأنّكَ تعوّدتَ عليه.

- لا تُثقلي عليّ! مللتُ إلحاحك.

- حسنًا، وأنا مللت وهنك مع ذلك الشيء.

في ليلة ما، في زمن ما، هجم عليه ذلك الشيء، وبدأ يستفزّه، وكأنّه كان على موعد لقتله، وقتل كلّ من حوله معه.

- ربّما هم دسّوه لك في غفلة منك!

- من هم؟!

- أولئك الذين...

- آه فهمت.

- وإلّا كيف هجم عليك وفي أدقّ الأماكن رقّة، وأشدّها عنفًا؟

- لا تقلقي!

هذا كلّ ما استطاع قوله، وهو لا يعي أنّه مسكون بذلك "الشيء" منذ سنين وربّما منذ أزمان طويلة. كان ذلك الشيء يختفي ويستتر تحت جلده، ينتظر تلك اللحظة التي يرى أنّه جاء وقت الانفراج.(مهد من ورق الشجر، ص 21-22)

قصة خصلة شَعر:

مشهد مشفر:

حبيبتي! أنت لن ترتاحي إلّا في حضن أسدك.

أسدك؟

نعم، قالها بعد أن تخيّلتُ شفتيه المكتنزتين شفتيْ أسد.

شفاهك ضخمة،

سأكون فريسة سهلة بين فكّيك، باستطاعتك أن تبتلعني كأسد. كدت أضحك حين تداعت إلى ذاكرتي كلمات عادل إمام وهو يقول: "ده أنا بخاف من أرنب، يطلع لي أسد"؟!

ضحكت في سرّي. مع ذلك أحببت تعبير "أسدك"، أو "ذيلك". ويقصد "ذيله"، ينسب أشياءه لي، إنّه لَشيء مغرٍ للمرأة عندما يخاطبها الرجل وينسب أشياءه إليها.

وفجأة، تستبدّ بي الأفكار المتخيّلة المجنونة، وأتخيّل ذيله بين يديْ كالدمية،

وأحيانا أغرق في السباحة على مسرح غروتسكي جنوني، فأتعامل مع "ذيله" كشخص مستقلّ عنه. ألم يقل: "ذيلك"؟ وتتداخل الصور في بعضها، حيث أرى الذيل لوحده معي في المهد، أدلِّـلُـه، أسقيه من ريقي، أمسح على ثمرته بزيتي حتّى يلمع كالبرْق، ويشتدّ أزره كفلّاحة في حقل تزرع وتنكش ولا تملّ، ويصير له فم وعينان، ثمّ سرعان ما أراه أفعى تفتح فاهًا تحدّق بي لتبتلعني. (مهد من ورق الشجر، ص 29-30)

وفي مشهد آخر مشفر:

نفيتُ الأحلام من ذاكرتي، وبقي هو ذو الشعر الغجريّ ومساحاته البرونزيّة، وعيناه الصقريّتين تنظران إليّ من بعيد لأترقّب انقضاضه عليّ، بل أتمنّى ذلك الانقضاض ولو رغمًا عن أنفي. (مهد من ورق الشجر، ص 31)

قصة صحن "كوشري"

مشهد غير مشفر:

- أنت رجل يا محمّد!

يصمت. يلهث وحده ليلًا. كثير اللهاث ليلًا. يشعر بسائل يبلّل وحدته. وما أن يستكين حتّى يسري دبيب نمل في عضوه.(مهد من ورق الشجر، ص 39)

نلحظ أن هذا الوصف وصف دقيق ذكوري بامتياز.

مشهد آخر مشفر:

ركّزت عيني في صحن السمك، وبدأت كمن جاعت كلّ السنين، آكل بنهم. لاحظَت صديقتي طريقة أكلي.

- غير معقول! وكأنّك تنتقمين من السمك.

نعم، أنتقم من عدم جرأته على القدوم والتهام سمكة أخرى كانت على وشك الرحيل من جوف البحر، لتحال إلى فينوس[1] لليلة واحدة بشرط أن يفكّ ربطة عنقه. (مهد من ورق الشجر، ص 40)

مشهد آخر مشفر:

ولم يغب ابن النيل عن خاطري.

يا محمّد! ألا تأتيني على الأقلّ لتشاركني صحن "كوشري"؟

لم ينجح "الكوشري" في أن يجلب محمّدًا،

وبقيت الربطة تزيّن عنقه. (مهد من ورق الشجر، ص42 )

نشاهد في قصتي (البطل الافتراضيّ)، و(البطلة الافتراضيّة)، علاقة متبادلة بين بطلين، كل منهما افتراضي، والمتحدث في كليهما واحد، وهما يحاكيان بعض الكتاب والكاتبات، من وجهة نظر الشخصية البطلة في القصص.

قصة البطل الافتراضيّ

مشهد:

هذا هو وطني، حرّ طليق فيه. تمامًا كما شئت دائمًا، ولا أحد يسائلني. أنا الذي أسأل. أنا الذي أقول فقط. بنيت وطني من أجلها. من أجل التي تتلبّسني وتدقّ بخناق هوائي، وتلبسني في نومي وصحوتي، في فرحي وعطشي، في شبقي وفتوري، تلبسني كجلدي، كدمي، هي التي بدونها أنا فراغ، فمٌ أهتم، ووجود دون وجود. من أجلها هي فقط. (مهد من ورق الشجر، ص43 )

مشهد آخر مشفر:

بعد أن أشجّع الشاعرة، الكاتبة، الزهرة، أفتح لها أبواب الأمل على مصراعيه. ولا ترى إلّاها فيِّ. وتكون قد ألقت أوزارها على صدري. أشعر أنّي أمتلك لحظة اللّا عودة. لن تستطيع الإفلات. فكلّ ما تعرفه عن نفسها هو لي.

تأتي اللحظة الحاسمة:- أودّ لو ألتحم فيك.

هنا تبدأ الأنهار بالسيل وأرتوي.

بعد الارتواء لا يكون عليّ إلّا التفكير بالتخلّص منها لأنّي ملول، ولا أحبّ الحرث في أرض واحدة. كم أنا ملول! وأحبّ أن أذوق من كلّ نهر رشفة.(مهد من ورق الشجر، ص 49)

قصة البطلة الافتراضيّة

مشهد:

- من يهتمّ لنصّي؟

لا أحد. لكنّي سأجبر هؤلاء المتعهّرين في الكلام، ومن يلهجون بالحروف كذبًا على الانهزام أمامي.

من قاع سخطها وحزنها المخزون دهورًا. دخلت مواقع "النت". اختارت موديلًا أسمر مثلها. لكنّه موديل امرأة سمراء جميلة، شَعرها منسدل على كتفيها بفوضى، وعيناها عسليّتان. "ما أجمل اللون العسليّ على وجه أسمر!" فرحت للفكرة. ألصَقتْ الصورة لنصوصها وبعثتها للمواقع. (مهد من ورق الشجر، ص 51)

مشهد آخر:

نظرتْ إلى صورتها في المرآة. فم كبير، وجه شديد السمرة، أنف أفطس، عينان صغيرتان لكنّهما مضيئتان.

عليكِ الظهور الآن بشكلك الحقيقيّ، فقد اعترفوا بنصوصك. قالوا بك ما لا يقال بامرأة من قبلك. كسبتِ المواقع والقصائد، برهنتِ لهم رعونتهم، وبؤس حالهم، وبأنّ ثقافتهم بين أرجلهم. ماذا بعد؟!

"كليك"، كبسة واحدة على اليمين تمحو جميع الصور المزيّفة لتظهر بصورتها، ذات بشرة شديدة السواد وشفاه غليظة، وأنف أفطس. سأسير الآن بلا قناع الموديل، هذه أنا. ضربت العالم بعرض الحائط، وتساءلت: هل سيقولون، الآن، بي القصائد؟ لا أحد يمكنه اللعب معي بعد اليوم، ها أنا ألاقيكم بلا قناع، سوداء ذات قلب أبيض ونصّ يجنح في السماء التاسعة. (مهد من ورق الشجر، ص 53)

قصة دقّات المهباج

مشهد مشفر:

غنّى لي في ليلة الوداع. لا يعلم أنّ عشّي هو نصّي، وأنّ نصّي هو كلّ كلّه- صاحب تلك الأغنية.

بعد انتزاعي من حضنه، مزعت الليل بإيقاع صوته المسجّل، والناس نيام ولا يعلمون تلك العاشقة التي تستند إلى صوت في البعيد، صوت يتغيّر حسب لحظات جنونه، طفولته، حزنه ورزانته.

من خلال تسجيلاتنا على مسجّل صغير رماديّ، تقفز لحضني متاهاتنا، حماقاتنا وضحكاتنا التي لم تتوقّف ونحن نقطع السهول في السيّارة الرماديّة، وهو يرتجل خطابًا عن الانتصاب القائم حولنا. (مهد من ورق الشجر، ص 57)

مشهد آخر مشفر:

ويعيقني حرف الباء عندما يقتحم الـــ "نصّ" ويجعله الــ "نصب". وتتملّكني تلك الحروف. ماذا، مثلًا، لو نصبنا الفاعل، فالفاعل "التارك" هو المفروض أن يكون المنتصب دائمًا وأبدًا.

تستبدّ بي ترهات وحماقات "حرف النصب" ولا أجد مثله إلّا في اللغة العربيّة. كأنّنا غاوون لكلّ من ينتصب ومع أنّ الناصب هو الفاعل، إلّا أنّه في أغلب الحالات شأنه شأن المفعول به. (مهد من ورق الشجر، ص 57)

في قصة شهوة اللحم البحث عن الغجري في سن الخمسين:

مشهد مشفر:

في الطائرة المسافرة من ميلانو إلى كازبلانكا تسرّبتْ إليّ رائحة... وكلبؤة تتبّعتُ الرائحة. هو، هو بلونه الرمليّ. وتنتابني شهوة اللحم. خطر ببالي أن أصيح:

- آه يا محمّد! سي محمّد. كم أشتاقك!

حاولتُ عمري لأتقن رسم لونك البنّيّ.

- هل هو بنّيّ؟

وخلال هذا المشهد نرى مشهداً مشفر:

- لا، إنّه وهج الصحراء. له فُضّت بكارة روحي.

وخلال هذا المشهد نرى مشهداً غير مشفر:

يومها، أحسست ما معنى اللمسة الأولى، القبلة الأولى، الشهقة الأولى ونشيج الروح. يا محمّد.. سي محمّد!

وتنهّدت الأرض. (مهد من ورق الشجر، ص 60)

مشهد آخر مشفر:

اليوم هو اكتمال سنّي الخمسين. هل تكون هديّتي لأكتمل؟! هل أولد من جديد في حياة ثالثة؟!

قلت لي: سنبدأ حياتنا الثالثة.

- كيف؟! سألتك. قلت لي: الحياة الأولى يوم التحمنا، الحياة الثانية يوم صمتنا والحياة الثالثة هي العودة..وأنت عائدة. (مهد من ورق الشجر، ص 61)

مشهد آخر مشفر:

بدأت الرائحة تنفث إلى روحي، اختلجت زوايا القلب. أوردتي كعادتها استنفرت لاستدعاء لهيب الصحراء.نظرت أسفل الطائرة: ترى أين هي مكناس؟! هو هناك.. وأشمّ شهوة اللحم الغائبة عنّي منذ عمر. صحرااااااااااااااااااااااااء،

وينبت الرمل على جلدي دبيب نمل.

لماذا الآن... لمااااااااااااااذا؟! وتنهّدت الأرض. (مهد من ورق الشجر، ص 61-62)

قصة الذي سافر في غفوة

مشهد غير مشفر:

ما هذا الثقل الذي يسقفني؟ أعوذ بالله! هل أنا نائم؟

نعم، أنا نائم، ولكنّي أتكلّم، ربّما أنا أحلم وأتكلّم. ولكن هل النائم يشعر ثقلا؟ نعم، يشعر، بل ويركض ويضحك ويبكي وحتّى يمارس الجنس. إذن، أنا أحلم. حاول أن يتفحّص جسده.

ولكن يداه كانتا كقطع فولاذيّة أبت أن تستجيب له. حاول فتح عينيه، ولم ير سوى ظلمة داكنة، شيء ما دخل إليهما، أحسّ به وكأنّه يلمسه بيده، شيء كذرّات ملح، أدرك أنّه ربّما كان صاحيًا وأنّ ما ينتابه ليس بحلم، ففزع. يا الهي! (مهد من ورق الشجر، ص 73)

مشهد آخر:

كالمجنون بدأ يحفر ويحفر، كانت تجري بين يديه من حين لآخر أشياء لم يتبيّن هويّتها. وقعت بين يديه كرة لها عينان وشفتان.

عندها غامت عيناه، لحق بدنياه إلى الأسفل حين أدرك ما حدث. فجأة، نزعت عينا زينب ورائحة الليمون منه الضوء، ولحق ليبحث عن صاحبة العينين في ذلك السديم. (مهد من ورق الشجر، ص 76)

قصة حلم أزرق

مشهد مشفر:

هناك على شاطئ بعيد. سكن رجل بحريّ قادم من صحراء الجوع والعطش.على صخرة الشاطئ لمح رغوة.

رغوة؟!نعم، رغوة. رغوة؟!

قلت: نعم، هي رغوة. نسمعكِ. إحكِ أيّتها الحاكية العجوز، انسجي خيوطك بإبرة قبّعته.

- قبّعته؟!

- نعم!

- صحيح، لأنّتحتهايختفيالسرّ.

- ماهو؟!

- شبقوعبق.

أكملي أيّتها الحاكية العجوز. كانت رغوة تفور من قاع البحر لتحيك جسدًا لامرأة زرقاء الجسد.

طُرِّزَت على هدبها أجيال من الحزن والانتظار، وعلى صخرة الشاطئ كان يجلس الرجل ذو القبّعة.

- آههههههه!

- أكملي.

كان قد غلبه العطش، خاف ذلك الجسد، تراجع قليلًا، لاحظ بأنّها ترنو إليه من بعيد، والحزن تجدّل من عينيها ماءً. كان ذاك الماء غزيرًا، امتدّ من صحراء أفريقيا إلى هذا الشاطئ، ومع ذلك رأت عينها الخفيّة عطشه، فهجست:

- كيفأحيلماءالبحرالمالحلعسليرطّبشفاهه؟

تقول الأسطورة أنّ الماء المالح لا يتعفّن.

تقول صاحبة الجسد الأزرق أنّ الأشياء تتعفّن لتلبس لونًا آخر. تتعفّن الأشياء لتبدع وتخلق نفسها بهيئة أخرى. (مهد من ورق الشجر، ص 77-78)

قصة أجمل ميتة في العالم

"كاتب لا يتقن تطريز الجلد لا يمكن أن يطرّز الكلام"

مشهد مشفر:

هكذا هي!

تسلّم مفاتيح قفلها، تنفض من اختزنته، ثم تنكفئ راجعة إلّا منه.

عندما تنام على وسادتها الزرقاء، ترى عينين مغمضتين، وكأنّهما نائمتان منذ ولادتها على وسادتها. تحسب من ضيق عينيه أنّهما مغمضتان وهو يسبّلهما بعد تلك الرجفة. رجفته صامتة جدّا. صمته عبادة. هي تحبّ الشهيق.

- هلتشهقين؟

جابهت سؤاله بسؤال: وأنتَ؟

- أشهقكثيرًا ولاأتعب. مجنونأناعندماتأتينيامرأتيقائلة:هيتلك!

واو... مغرٍ كلامه... لماذا لا أجرّب مرّة؟

لكنّه أصلع، وأنا أكره الصلع. (مهد من ورق الشجر، ص 80)

مشهد آخر مشفر:

أحلم بمن أموت معه وأنا في حضنه. قلت له.

- سيكون... في فمك.

قتلني تعبيره. أخفيت كلّ الماء الذي كان على أعلى قمّة في الجبل.

المطر كثير على جبالنا وينهار إلى الأسفل بسرعة، ترى كيف هو المطر الساحليّ؟

خفت من شدّة شبقه، وكأنّه سيسرق كنزي المدفون، تمثالي الذي نحتُّهُ على مهلي. مائي يفيض، وهو يقول لي:

سنموت و... و... أريدك أن تضفرني كأفعى وحنش يتضافران عند سكب الزيت.

مشهد آخر:

ويصلني صوت صاحب الميتة: أحبّ تنهيدتك.

صديقي! إذا سمعت تنهيدتي فهي لم تعد تدلّ على شيء خاصّ. تمامًا،كالموت الذي يزفّنا كلّ يوم. تنهيدتي هي عادة لم أعد أتحكّم بها. التنهيدة موسيقا تزفّني دون تخطيط.

هي الآاااااااااااااااه ننتظرها صامتة لتقول كلّ شيء. هي الآاااااه تخرج رقصة، تخرج بكاءً، أو تقول: الصمت لغة.

ويلحّ: - أريد تنهيدتك.

- ماذا تفعل بك تنهيدتي؟

- تنفذ مسامات جسدي.

الكلّ تنفذهم تنهيدتي دون دراية منّي، والكلّ تنقذهم ضحكتي دون دراية منّي. غادرةٌ هذه التنهيدة، وغادرةٌ هي الضحكة. (مهد من ورق الشجر، ص 84-85)

قصة غياب

مشهد مشفر:

ثّمة رجل بلباس أبيض يحشر رأسها في صندوق، ينتابها فزعٌ غريب، تغمض عينها في العتمة.

- حاوليأنتفكّريفيشيءجميل،وأنتفيالصندوق.يقول الطبيب.

- شيءجميل؟! كيف، مامعنىالتفكير؟!

تغمض عينيها، تحاول أن ترى تلك السهول الخضراء، ويدها تلتصق بيده. نسيت كلّ شيء إلّا التصاق يده تلك. (مهد من ورق الشجر، ص 86-87)

قصة ربّما

مشهد خيانة مشفر:

هو نائم إلى جانبي الآن. تحت شراشفه، تسكن امرأة أخرى. كنت أحسب أنّ يدي هي التي تمسّد على رأسه قبل أن ينام.لمن تلك اليد الأخرى؟ (مهد من ورق الشجر، ص 88)

مشهد آخر غير مشفر:

تلتبس الأشياء أمامي. من أين هذه الدموع؟ أهي لي أم لواحدة أخرى كنتُها يومًا؟

قال لي: أنت زوجتي وامرأتي ليجعلني أتوسّد الأمان.

- حسنًا!هلليأنأتوسّديدكقليلًا؟

هو نائم الآن. أنا امرأته. هكذا قال.

امرأة من أنا؟هل أكون أنا ظلّا مرسومًا على الحائط؟

صورتك أضعها في غرفتي وفوق سريري.

ااااااااااااااااخخخخخخخخخخخخخخخ! (مهد من ورق الشجر، ص 89)

مشهد آخر غير مشفر:

يد أخرى في الغرفة غير يدي، وصورتي التي أخذها، هل هي أنا؟ وشراشفي الزرقاء؟

يد أخرى ترتّب له موعدًا مع الفرح. هو نائم في حضني الآن... أحاول أن أجفّف دمعي، أميل على جبينه، أقبّله، فأرى شفاه أخرى تجول حولي. ربّما... ربّما... ربّما.

ربّما غدًا سأكتشف أنّي أنا التي كنت هناك على جبينه، وأنّ الضوء هو الذي كان خابيًا.(مهد من ورق الشجر، ص 89)

قصة مشاغب

مشهد غير مشفر:

وعندما تقول له امرأة: ما أحلى كلامك! أو ترشقه ببعض من شهْدها، يكون نصّه جاهزًا: مطرك ماؤك. أمطري!

كلماته الماطرة لا تجفّ أبدًا حتّى في عزّ القيظ. وبهذا هو يركن إلى نفسه في الليل مبتسمًا سعيدًا. إنّه يحظى بكلّ ذلك العصير المائيّ من نساء، بعضهنّ من بلاد الواق الواق.يرتاح في حضن زوجته التي يلغيها من دفتر هويّته الوطنيّة عندما يريد اقتحام امرأة عابرة.

(مهد من ورق الشجر، ص 90)

مشهد غير مشفر:

لم يعرف لماذا كرهها آنذاك. أمّه أحبّت أخته بشدّة. وهو كان طفلًا رقيقًا، تشهد على ذلك رقّة أصابعه حتّى اليوم. لكنّه كره تلك المرأة التي لم تستطع الدفاع عن نفسها يوم جلَدها أبوه بكرباج من النوع الثخين. بكت الأم ممتصّة الدمعات في عبّها.

الولد رُكِن في الزاوية..البنت هربت..الأمّ كفرت بالرجال كلّهم...الأب ذهب ولم يعد ثانية.رأى الولد ذلك الأب الذي يعمل ما يشاء. فحل بدويّ بالتمام والكمال.سرّب الفحل البدويّ للولد شيئًا منه، عقدة الانتصاب الدائم، ولم يورثه من خشونته أبدًا. وحيث أنّه يعاني عقدة الانتصاب، وجد أمثل حلّ وهو أن ينتصب مع التي تقول له: أنت مشاغب رهييييييييب.. وتمدّ الياء على ما في وسعها من مدّ.وهو يحسّ أنّه عليه أن يحوّل المدّ جزرا.وهكذا بين مدّ وجزر أصبح لديه هواية المشاغبات السلميّة. (مهد من ورق الشجر، ص 91-92)

مشهد آخر:

قالت له صاحبته الأخيرة التي لم تعد تحتمل أن تعمل مُصلحة نفسيّة: كن أنت، لا تكن غيرك! أعلنْها صراحة بأنّك مشاغب. أعلنْ ذلك، اسحب أولادك وامض.

أغاظه هذا التوجّه وقذفها بأوّل إبريق ماء أمامه. وصاح صيحته: أمطري بعيدًا عنّي.وهكذا صحّ اعوجاج عنقه، ولم يعد صدى أمّه وأخته يلاحقه. (مهد من ورق الشجر، ص 92)

قصة لحظات دراماتورغيّة

مشهد:

تأتي الممرّضة، تنظر في ملفّه المعلّق على سريره، تفحص النقاط التي تتسرّب إلى وريده. لا خطأ، فهو نفس الدواء وليس سائلًا مسكرًا.

لكنّه يستمرّ في القهقهة.

تبتسم الممرّضة، تمسّد على رأسه بخفّة وتخرج. (مهد من ورق الشجر، ص 95)

مشهد آخر:

ياااااه! كم سيستغرق هذا من الزمان! عليَّ أن أنتصر على هذا الوحش الذي بداخلي.

هو قرار القيادة. نعم، قرّرت أن أكون دكتاتورًا لكي أنتصر عليه، سأعدمه حالًا.

غريب! أستعملُ مصطلحات القيادة.

لا أجمل من قيادة النصّ، ولا أروع من تسلّط النصّ عليّ، لهذا سأمنح النصّ السلطة المطلقة في الانتصار على هذا الوحش. (مهد من ورق الشجر، ص 95)

مشهد آخر:

تمرّ ساعتان. تأتي الممرّضة، تسحب كيس الدواء من يده، يتنفّس الصعداء، يفتح الجارور المحاذي لسريره، يُخرج الدفتر والقلم ويكتب:

"تحت شجرة الليمون، أمام بيتنا الـــ "هناك"، الــ "هنااااااااااااك" ماتت أمّي وفي ريقها الأخير وقف اسمي على حدود الموت والحياة.

في شهقتها الأخيرة قالت: "قاااااااااااااااااسم"، وماتت.

وتحت ظلّ الشجرة أتوا بأخي مقطّع الأوصال من هنااااااااااااااك، ورتّبوه في الصندوق بشكل لائق، وعندما انفجر المكان تناثر الصندوق."

عليَّ ترتيب الأشلاء من جديد، سأمنحها لصديقي الفنّان ليعيد ترتيبها في لوحته، سأتّصل به حالًا. (مهد من ورق الشجر، ص 96)

قصة ألحان

مشهد مشفر:

الحرير يغنج بين أصابعي ألحانًا، وأنا أسمع نبضه في نظرة عينيه الحادّتين بعد الطقس المقدّس باندغامنا.

رشقنا ما تبقّى من كأسينا باتّجاه المحيط.

هنا سيختمر الماء ويصيح الحوت سكراناً من رشفة لحن لم تعزفه أنامل قبلنا."هذه الدنيا سماء أنت فيها القمر..."

يتناغمان معًا. (مهد من ورق الشجر، ص 97)

مشهد آخر:

لا تأبه للأماكن، أينما وُجدتَ سأكون. وعندما تأتيني قائلًا: "هيت لك!" تجدني وقد طرّزت الجبال والسهول حريرًا، والمحيط سيركن إلى سرّتي مبتسمًا.

لكن، إيّاك أن تقشّر الحرير عنّي بقوّة! سيتحوّل إلى سلك شائك إذا ما اقتحمته بقسوة.

هبني لحن عود رنّان، ولنبدأ رقصة فينوس التي ولدتها الرغوة. ترى هل ستعرف كم هو عدد حبيبات الرغوة؟

كم من هذيان ينتابني وأنا أعزف الموسيقى على جلدي!

"غنِّي،صوتكِجميل."

قالها لي أحدهم مرّة في قارّة أخرى. (مهد من ورق الشجر، ص 97-98)

مشهد آخر مشفر:

كفااااااااااااك أحلام يا امرأة! عليك بالوقوف على أرض الواقع.ما زالت الموسيقى تبعثر حريرها ليلفّني عاريةً من كلّ شيء إلّا من اللحن ذاته... شامتك هي المنارة. أملك حبيبات على ظهري ورثتها عن والدي.

- تقصدحبّاتزين؟

الموسيقا تجتلب الشامات و"حبّات الزين" وأنا تائهة في العدّ. وموسيقا الروح تجول حوله، كما يلفّ الراقص في غمرة "اكستازا" (منشط ومخدر)، ها أنا التي لا أتقن الفرح، أغنّي وروحي مذبوحة.

هكذا إذن. للمرّة الأولى، أفهم ما معنى أن يرقص الطير مذبوحًا من الألم.يااااه! لو يستطيع استعادتي. (مهد من ورق الشجر، ص 102)

مشهد آخر مشفر:

أكتب الموسيقا حروفًا عبثيّة، ولساني يردّد بالدندنة حتّى خلت عينيه تغرقان بموسيقاي الرطبة.

- ياااااااك! قوليها يا مجنونة.

- أحبّكَ!

قالتها المجنونة ضاحكة، وهكذا انتهت المعزوفة. (مهد من ورق الشجر، ص 103)

قصة عودة

مشهد مشفر أمام الحاسوب:

ففي إحدى الأمسيات التي صهلت فيها موسيقا الليل، وكنت قد أخضعت "بنادير" تلك النساء العابثات على شاشتي الزرقاء (الشبكة العنكبوتية من خلال الحاسوب)، إذا بي أخرج من جثّتي المتخيّلة، لأدخل في وضع مريب، حيث شعرت بضغط غريب وساخن في صدري، وكأنّ جهنّم تدخلني قبل رؤيتها. (مهد من ورق الشجر، ص 104-105)

مشهد آخر:

الآن، ها أنا أعود إلى جثّتي التي كانت ستغادرني، ورغم كلّ ما مرّ بي، إلّا أنّي لم آبه لشيء أكثر من فكرة لبستني تلك اللحظة. ماذا لو تبوّلت على نفسي وأنا في ذلك الغياب؟ تبوّلت على نفسي؟! ياااه.!

ندت عنّي صرخة مدوّية، أعادتني إلى الورقة البيضاء. (مهد من ورق الشجر، ص 106)

قصة عفيفة

مشهد درامي مغير للحقيقة:

ها هي تضع أحمر الشفاه بمهل على شفتيها، ضجيج في الخارج، فرقعات، رائحة المطّاط المحروق تنفث عبر نافذتها، تغلق شبّاكها رغم الصَهَد، تشتم وتلعن الجميع...تكمل تجميلها على مهل، تلبس ثوبًا أسود يبرز مفاتن جسدها، تتلوّى قليلًا أمام المرآة، تشعر بالرضا، تضع الملاية فوق الثوب الأسود، ليخفي معالم جسدها وتغطّي رأسها بالشال الأسود، فيبرز جمال وجهها أكثر... تنسّل على رؤوس أصابعها كي لا تسمعها تلك العجوز المركونة على حافّة نافذتها تتصّنت لكلّ حركة تديرها. (مهد من ورق الشجر، ص 107)

مشهد آخر:

أخذت حيطتها في زيادة أحمر الشفاه والكحل لتبدو كنساء الشوارع، بيدَ أنّ ذلك لم يشفع لها، إذ خطر على بال جنديّ وبعد غمزاتها المتكرّرة أن يستجيب لها فلحقها متسلّلًا. وعلى مدخل بيت المطارَد ظنّ الحرّاس أنّها جاءت بالجنديّ معها، فأطلقوا عليهما الرصاص. وشاع في البلد أنّ عفيفة "القحبة" كانت جاسوسة.داسها الناس بأرجلهم، لولا تلك العجوز التي كانت تراقب كلّ شيء، ووارتها تحت التراب. (مهد من ورق الشجر، ص 108)

قصة المصباح

نحن بحاجة إلى مصباح يضيء طريقنا بلا إملاءات من أحد، كي نعيش كما نحن، بحلمنا، بسعادتنا، بضحكتنا، دون ضجيج.

مشهد:

حين التقيت صاحب الصوت الأجشّ لأوّل مرّة، نظر إليّ قائلًا:"أنت يا آنسة، تتمتّعين بكلّ شيء ما عدا.."

قهقه بصوت عال: نحتاج لنساء وليس لـ... (مهد من ورق الشجر، ص 109)

مشهد آخر:

ضمّتني وقالت: ستكونين أشهر النجوم. فقط لو...

فهمت الـــ "لوْ" وذهبت لأقرب صالون حلاقة ونزعت الشعيرات.

بدوت امرأة أخرى.

ومنذ إزالة الشعيرات أصبحت سيّدة المنصّة.

- هاأنتالآنجميلةياآنسة!

- هيّا!لنرَمشهدًافكاهيًّاواحدًا.

قمت بتمثيل حركات "شارلي شابلن"، ولم أشعر كيف وقعت بين ذراعيه على صوت:

"برافو... برافووووو".

تحاول تحريك شفتيها بقوّة لتبتسم، تحرّك يدها ببطء شديد وتعيد رؤية الشريط القديم. (مهد من ورق الشجر، ص 110)

مشهد آخر:

ما زالت الشاشة تدور أمامها.تنظر إلى المصباح:

- جائزتك،ياآنسة،كبيرةاليوم. لقدجعلتدارالأوبّراكلّهاتضحك،سأمنحكهذاالمصباح.

هجمت عليه، ضحك ضحكته المجلجلة، ماسكًا غليونه، وببذلة الباشا تبختر وبلين أزاحني عنه وهو يبتسم:

- تستحقّينهياآنسة!

عدت بالمصباح، ملأته بالزيت، أشعلته لمرّة واحدة ونمت على أحلام جميلة.ما زالت الشاشة تسير.

فاتن حمامة تُزفّ لعبد الحليم. هي تطلق زغرودة مكتومة، تغمض عينيها.

المصباح مطفَأ. يتوقّف الشريط وتسوَدُّ الشاشة. (مهد من ورق الشجر، ص 111)

[1] - (فينوس آلهة العلاقات غير الشرعية الجنسية لدي الرومان واسمها في اليونانية الآلهة أفروديت. اعتقد الرومان أن الإلهة فينوس ولدت في البحر وجاءت إلى شواطئ قبرص في محارة.)

أضف تعليق

VTEM Banners
VTEM Banners
VTEM Banners
VTEM Banners
VTEM Banners
VTEM Banners
VTEM Banners
VTEM Banners
VTEM Banners

احدث الأخبار

 

 

 

الافق الجديد